أولاً

أولاً. وقبل كل شيء:

          لايخفى مـا لمهمة الإفتـاء الديني مـن دور كبير فـي توعية المسلمين بأحكام دينهم وحل مشكلاتهم حلاًّ شرعياً، فقد اعتبرت وظيفة (الفتوى) إحدى الوظائف الإسلامية التاريخية التي درج العلماء والفقهاء من لدن رسول الله r صلى الله عليه وسلم على القيام بها، بغض النظر عن كونها وظيفة رسمية، أو قائمة على الحسبة والتطوع، إلى درجة أن بعض الفقهاء اشترط لاعتبار أي مكان (بلد) ترتبط به بعض الأحكام الشرعية الخاصة كالجمعة والأعياد.. إلخ أن يكون فيه والٍ وقاضٍ ومفتٍ، وما ذلك إلا لأن الإفتاء أصبح من المعالم الإسلامية المرتبطة بالمجتمع المسلم.

الفتوى إشارة وتعليم.

والمستفتي مستشير ومتعلِّم.

والمفتي مستشار مشير ومعلِّم.

وقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:" المستشار مؤتمن".

          والفتوى لها أهميتها عند الناس، ومسؤوليتها ضخمة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أهلها من الخوض فيها، وأخبرنا أن أعظم الناس جرأة على اللّه من أفتى بغير علم، إذ لابدَّ أن يكون المفتي ذا دراية، فاهماً للسؤال عالماً بالفتوى عما سُئل، واسع الصدر، لايضيق صدره بجهل السائل أو بإلحاحه أو بتطويله.. فالسائل جاهل يريد أن يفهم، وضال يبحث عن طريق الحق، ومسلم يسأل عن دينه، لذا لجأ لمن يعلم ليسأل عما لايعلم.

          والفتوى في الإسلام قديمة قدم الإسلام، فصحابه النبي صلى الله عليه وسلم ورضي اللّه عنهم كانوا يسألونه ليتعلموا منه ابتداء أمور دينهم، ثم يعلموا من وراءهم، امتثالاً لأمره عليـه الصلاة والسلام:" فليبلغ الشاهـد منكم الغـائب" ويعني بالغائب من لم يحضر المجلس، أو من لم يولد بعد من أبنائهم، أو من سيأتي في الأجيال القادمة والقرون المستقبلة.

          وبعد انتقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كان الصحابة رضي اللّه عنهم لايأنفون أن يسأل بعضهم بعضاً، ولا أن يتعلم بعضهم من بعض، ومن الكلام المأثور في هذا المجال كلام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في مجلس القضاء: لولا عليّ لهلك عمر.. وقوله في المسجد النبوي الشريف: حتى النساء أفقه منك ياعمر.

          وجاء عهد التابعين وتابعيهم بإحسان والناس على ذلك يحسن بعضهم الظن ببعض ولا يأبى أن يتعلم البعض من البعض مهما كانت الفروق في السن والمكانة، فقد يجد العلامة حكماً عند محترف أو صغير فيأتيه يسأله عنه دون غضاضة أو حرج.

          حتى إذا كانت العصور التالية وانشغل الناس فيها بدنياهم عن التعلم وأصبح المال في نظر المجتمع هو الحياة، وشاع الجهل في الناس كان لابدَّ للمسلم من رجل عارف يسأله عن دينه حتى لايقع في الخطأ، ولا يرتكب المحرم ولا يخوض في الباطل، خاصة وأن كل شأن المسلم دين، وأحكام الإسلام لاتفارق المسلم، فهي معه أينما كان حتى في فراشه مع أهله.

          والمسلم لايخجل من السؤال عن أمور دينه صغيرها وكبيرها.. جليلها ودقيقها... يسأل من يثق بمعرفته وتقواه، فالمعرفة اطِّلاع على الحق وتمييز له، والتقوى خوف من اللّه تعالى وحسن خلق.

          ولكـي لا يختلط الأمر على النـاس فيقعوا فـي متاهات الجهل لجأ بعض المسؤولين من المسلمين في كثير من الأقطار إلى تعيين أشخاص علماء أتقياء، يسمون مفتين يسألهم الناس عن أمور دينهم.