الفتوى في الكويت:

الفتوى في الكويت:

          الكويت بلد مسلم حافظ أهله على شعائر الإسلام فيه فأقاموا أركانه وأدّوا واجباته.. وكان أكثر سكانه يعملون في البحر ملاحين أو غواصين أو صيادين أو مسافرين، وكان فيهم التاجر والعامل والصانع.

          والإسلام في الكويت دائماً، والحمد للّه، في كل عصر بخير، فلم يخل هذا البلد الصغير بحجمه، القليل بسكانه، في عصر من عصور الكويت منذ نشأتها من رجل أو أكثر من أهل العلم والثقة يسمى الشيخ أو ( المطوع ) يستفيته الجاهل ليتعلم، أو يسأله ليعرف.

          وغالباً ما يكون هذا المسؤول المستفتى إمام مسجد، تعلم على يد من سبق من العلماء فعلم، أو داوم على القراءة والاستماع حتى وعى، وهو لا يأنف أن يقول للسائل: ( لا أدري ، اذهب إلى فلان فاسأله فإنه أعلم مني أو أدرى بسؤالك مني ) وذلك إذا كان لا يعلم الجواب الصحيح السديد في هذه المسألة المستفتى عنها.

          وقد عرفت الكويت هذا البلد الطيب كثيراً من رجال المعرفة ممن كانوا عند حسن الظن بهم ورعاً وصدقاً وتقوى، وكانوا كما قال الشاعر:

          وإنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن روى

          ولم يكن الإفتاء في الكويت منذ كانت ونشأت ذا صفة رسمية أي بتعيين شخص معـين للفتوى مـن ولـي الأمر، وإنما كان الأمر كما ذكرنا متروكاً للعلاقة الطبيعية بين النـاس والعلماء، حتى كـان عهـد المرحـوم الشيخ سالـم المبارك الصباح الحاكم التاسع للكويت (1916-1920م) إذ رأى أن يسند الفتوى إلى الشيخ عبد الله بن خالد العدساني، لكن هذا التعيين لم يطل عمره إلا سنة وأشهراً، فقد توفي قاضي الكويت يومذاك الشيخ عبد العزيز العدساني، وبعد وفاته قلّد الشيخ عبد الله بن خالد العدساني منصب القضاء، فانصرف إليه وتفرغ له.

          وينبغي أن نعلم أنه مع وجود المفتي المعين من قبل ولي الأمر لم يترك الناس عادتهم.. فالكل يسأل من يثق به من العلماء، والكل يلجأ إلى من يحسن به الظن من العارفين.

          

          والفتوى ليست قضاء بل هي استهداء واسترشاد وتعلم.

          وكانت سماء الكويت يومئذٍ مضيئة بمصابيح علم ومعرفة وتقوى وورع ومكارم أخلاق، من أمثال الشيخ عبد الله بن خلف الدحيان، والشيخ يوسف بن حمود ، والشيخ عبد اللطيف العدساني، والشيخ جمعة بن جودر وغيرهم ممن علموا فعملوا، وعلّموا فأخلصوا، وأرشدوا واتقوا... فقد كانت مجالسهم مجالس وعظ وإرشاد، وسؤال وجواب دون إعنات على السائل أو تشديد... وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن المرحوم الشيخ عبد الله بن خلف كان يلتمس أسهل الحلول للسائل دون الخروج به عن نطاق الشريعة محتجّاً بأن: ( العامي لا مذهب له) وامتثالاً لأمر الرسول r : " يسَّروا ولا تعسَّروا " .

          وكان للشيخ عبد الله بن خلف مجلسان: الأول بعد شروق الشمس لقراءة التفسير، والثاني بعد صلاة المغرب لقراءة شيء من الحديث، وكان المجلسان حافلين بالناس المستمعين من كل أنحاء مدينة الكويت.

          ورغم كثرة من يحسن الإجابة إلا أن الناس قد يجمعون على توجيه أسئلتهم لمن يفضلونه على غيره، أو يرتاحون لإجابته ويطمئنون إلى علمه... وإجماع الناس على تفضيله شهادة امتياز له ووسام تقدير وتكريم.

          وفي سنة 1353هـ أجمع الناس على الرضا بالمرحوم الشيخ يوسف بن عيسى القناعي مسؤولاً ومجيباً على أسئلتهم الدينية والاجتماعية في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم، فكان رحمه اللّه نِعم المجيب: يلتمس الأيسر والأسهل ويقول كما قال سلفه: لا مذهب للعامي.

          ومن الإنصاف أن نذكر أن الشيخ يوسف بن عيسى هو أول من أفتى في هذا البلد باعتبار طلاق الثلاث في مجلس واحد طلقة واحدة.

          وكان رحمه الله، يجلس صباح كل يوم لقراءة شيء من تفسير القرآن الكريم، وكلما ختم تفسيراً من التفاسير بدأ بغيره، واستمر مجلسه هذا من بعد وفاة الشيخ عبد الله بن خلف سنة 1349هـ إلى أن انتقل الشيخ يوسف إلى جوار ربه سنة 1973م.