المقَـدّمَة
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعـد:
يسرّ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت أن تتابع مسيرتها في خدمة الإسلام والمسلمين على مختلف الأصعدة التي تتصل بالعلم الشرعي.
لقد قطعت الوزارة شوطاً كبيراً في إنجاز الموسوعة الفقهية ـ وتكاد تنجزها ـ كما قدمت للمكتبة الفقهية فهارس علمية لأكثر من عشرة مراجع في مختلف المذاهب الفقهية.. وهذا مع ما قامت بتحقيقه من رسائل تراثية، وما طبعته من كتب ثقافية، يكوِّن ـ والحمد لله ـ قائمة طويلة تفتخر وتعتز الوزارة بإنجازها، وتدعو الله أن ينفع الإسلام والمسلمين بها.
وها هي ـ بفضل من الله وتوفيق ـ بعد ذلك كله، تضع بين يدي قرائها القسمَ الأول من الفتاوى التي تمثِّل الأحـكام الشرعية فـي المسائل المعروضـة أمام لجان الإفتاء في الوزارة، وذلك حسبما توصَّل إليه الجهد الجماعي للسادة العلماء المشاركين في تلك اللجان.
إن هذا العمل الجديد، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسِّر استكمال باقيه في فترات لاحقة، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما حدث لدولة الكويت ـ على ضخامته وفظاعته ـ لم يكن ليعيق مسيرة الخير والعطاء، ولم يستطع إيقاف عجلة النفع العام، أو المعروف الدائم، أو الإبداع المميز الذي عُرفت به دولة الكويت منذ نشأتها وقيامها، والذي دأبت على الإصرار عليه رغم كل المعوقات والعقبات. وتنطلق مؤسسة الإفتاء في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت في بيان الأحكام الشرعية للمسائل التي تعرض أمامها من حقيقة أن الإسلام باعتباره ديناً خالداً ذا شمولية يحتفظ ببذور التجديد ويدعو إليه، وقد أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الّله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها..." [ أبو داود 4/480 ]
فالتجديد إذن خاصية من خصائص الرسالة الصالحة لكل زمان ومكان، وهو لازم من لوازمها، وضمان لبقاء قدرتها على التكيف مع متغيرات الزمان والمكان، والاستجابة لمتطلبات المسيرة الإنسانية المتواصلة وحركة الحياة المستمرة في كل عهودها ومجتمعاتها ومعطياتها المختلفة بمعين لا ينضب وعطاء لا يتوقف.
ولهـذا اتسمت الشريعة الإسلامية بخاصية المرونة وقابليتها لمواجهة التطور البشري والتغير الزمـاني والمكاني، وأول عوامل هذه المرونة والسعة ودلائلها هـو اتساع منطقة "العفـو أو الفراغ"، التي تركتـها النصوص قصـداً لاجتهاد المجتهدين في الأمة ليملؤوها بما هو أصلح لهم وأليق بزمانهم وحالهم، مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة، مهتدين بروحها ومُحْكَمات نصوصها.
وثاني هذه العوامل هو أن معظم النصوص جاءت في صورة مبادىء كلية وأحكام عامة، ولم تتعرض للجزئيات إلا فيما كان شأنه الثبات والدوام كشؤون العبادات والأسرة، أما فيما عدا ذلك مما يختلف تطبيقه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد فكانت النصوص فيه ـ غالباً ـ عامة ومرنة إلى حد بعيد لئلا يضيِّق الشارع على الناس إذا ألزمهم بصورة جزئية معينة قد تصلح لعصر دون عصر، أو لإقليم دون إقليم، أو لحال دون آخر.
ويتمثل ثالث عوامل السعة والمرونة في أن معظم النصوص التي تعرضت للأحكام الجزئية والتفصيلية، صاغها الشارع الحكيم صياغة تتسع لأكثر من فهم وأكثر من تفسير، وهذا ساعد ـ مع السببين السابقين ـ على وجود المدارس المتنوعة والمشارب المتعددة في الفقه الإسلامي .
أما العامل الرابع فيتجلى في أن الشريعة الإسلامية راعت الضرورات والحاجات والأعذار التي تنزل بالناس، فقدّرتها حق قدرها، وشرعت لها أحكاماً استثنائية تناسبها، وفقاً لاتجاهها العام في التيسير على الخلق.
وأخيراً يأتي دور العامـل الخامس تتميماً للعوامل السابقة وتطبيقاً لها، فمن المعلوم أن أحكام الشريعة إنمـا جاءت لتحقيق مصالح العباد، وإقامـة القسط بينهم، وهـذا ما ينبغي مراعاتـه عـند تفسير النصوص وتطبيق الأحكام، فلا يجمد الفقيـه على موقف واحـد دائم يتخذه فـي الفتوى أو التعليم أو التأليف والتقنيـن، وإن تغيَّـر الزمان والمـكان والعـرف والحـال، بـل ينبغـي عليه مراعاة مقاصد الشريعة الكلية وأهدافها العامة عند الحكم في الأمور الجزئية الخاصة.. وهكذا تركت هذه العوامل مجتمعة مجالاً واسعاً أمام العقل الإنساني كي يجتهد ويجدد لمواجهة تطور الحياة ومستجداتها.
ويقدم لنا التاريخ الإسلامي أبرز الحجج في ضرورة التجديد الفكري.. ذلك أن الدارس لهذا التاريخ والمتتبع لحوادثه وشخصياته وحقائقه، يدرك أن تاريخ الإصلاح والتجديد متصل في الإسلام، وأن المصلحين والمجدِّدين قد ظهروا حينا بعد حين، وحفظوا على الإسلام جدته وشبابه.
ولقد شهد المجال الفكري في عصور ازدهار وتألُّق الحضارة العربية والإسلامية اجتهادات مفكرين وفقهاء عظام من أئمة المذاهب وتابعيهم استخدموا ملكاتهم الذهنية وقدراتهم الإبداعية في فهم أمور الشريعة، وفي إثراء المعرفة الإنسانية الشاملة، ليجسِّدوا حركة اجتهاد وتجديد فكري تعطي أفضل مواءمة نموذجية بين النص والعقل، وأكمل استجابة للواقع والبيئة وقتئذ فكانت شاهدة على رقيهم البالغ مقارنة بما كان يوازيها تاريخياً من تراث وضعي.
وقد استجابت هيئة الفتوى بالـوزارة فيما أصدرته مـن فتاوى لحاجــة ماسـة لدى عامة المسلمين إلى معرفة الأحـكام الشرعية ـ بعيداً عن الخلافات الفقهية ـ وكان في استجابتها تلك إغناءٌ للسائلين عن اللجوء إلى الاجتهادات الخاصة للأفراد وإن كانوا علماء، بعد حصولهم على الفتوى الجماعية لنخبـــة من العلماء الذي تأتمنهم الأمة على دينها، وتضع فيهم ثقتها، وتتلقى عنهم أحكام اللّه في أفعالها وأحوالها، فهم المرجع في المهمات، والمنار في الظلمات ، ولا غنى بمسلم عنهم بعد قول الله سبحانه: { فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } (43) [سورة النحل/43].
وفي هذا العمل المؤسسي الذي اجتمع عليه نفر من فقهاء الأمة وذوي العلم الشرعي المؤهلين لبيان حكم الشرع، بجهود جماعية، حمايةٌ للمسلمين من الاتجاهات المثيرة للجدل والشقاق والنزاع بين أفراد المجتمع، وقطعٌ للطريق أمام أصحاب الآراء الخاصة والنيات المريبة.
وللإفتاء في الإسلام مكانته وأهميته، بوصفه بياناً لحكم الله في أمور الدين والدنيا، ولهذا كان أهل الفتوى يتحرجون كل التحرج عند استفتائهم مخافة تبعات الفتوى الثقيلة.. للتحذير الشديد في كتاب الله من القول على الّله بغير علم.. ولقد قرر أهل العلم أن القول على اللّه بغير علم قرين الإشراك بالله، لأنه يُحِل الحرام، ويُحرم الحلال، ويفتح باب الشر على مصراعيه.. وذلك في قوله تعالى:{ قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله مالا تعلمون} (33) [سورة الأعراف/33].
إن الفتوى مهمة عظيمة، ومسؤولية خطيرة، وعبء ثقيل، ويكفي الذين يجترئون عليها دون علم أو تروّ قول النبي صلى الله عليه وسلم: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار " [ الدارمي 1/57].
ومـن هنا كان الصحابة والتابعون لا يسارعون في الفتيا بل يتدافعونها ، ولقد أثر عـن عبد الرحمن بـن أبي ليلى قوله: " أدركت عشرين ومـائة مـن الأنصار من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول ".
وعلى هذه الصورة كان تحريهم للدقة، وخشيتهم من القول على الله بغير علم.
إن خطورة الفتوى والخوض في الأحكام الشرعية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وما يترتب على ذلك من الآثار، يستدعي ذلك كله الرجوع إلى ذوي الاختصاص الشرعي والكفاءة العلمية، الذين يتحملون أمانة الفتوى ويقدرونها حق قدرها وذلك للاعتبارات الآتية:
1 ـ اختلاف أعراف الناس واختلاف مصالحهم وتعدُّد حاجاتهم، وتغيُّرها عبر الزمان والمكان.
2 ـ النظر في اختلاف المذاهب الفقهية، وتعُّدد الآراء العلمية، وكون بعضها أنسب للمجتمع، وأصلح للتطبيق في مكان أو زمان معين.. من غيره من المذاهب الأخرى.
3 ـ انطباق الحكم على الواقعة بذاتها أو عدم انطباقه، وذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية بخصوصها ، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة، تتناول أعداداً لا تنحصر من الوقائع، ولكل واقعة معينة خصوصية ليست في غيرها.
4 ـ إن ولي الأمر في بلد ما، هو الأقدر على معرفة الأمور التي تحقق المصلحة العامة، و لا يترتب عليها الضرر والبلبلة والفتنة، كما أنه يستطيع حسم الخلاف الفقهي ورفعه بموجب صلاحياته الشرعية.
ولايسع الوزارة وهي تضع بين يدي القراء الجزء الأول من فتاوى السادة العلماء أعضاء لجان الفتوى، إلاّ أن تضرع إلى الله عز وجل أن يتغمد بواسع رحمته من توفي منهم، وأن يمتع الأحياء بدوام العافية، وشَكَر الله للجميع، وأحسن لهم المثوبة.
وأخيراً:
فالحمد للّه أولاً وآخراً ، وبدءاً وختاماً، وهو سبحانه المستعان على كل أمر والموفق إلى كل خير.. لا رب غيره ولا إله سواه.
وصلَّى اللّه وسلم على نبينا محمد المبعوث بالدين الحق رحمة للعالمين.
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية