بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ورضي الله عن التابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فإن الحج ركن من أركان الدين، وعبادة من أجل العبادات في الإسلام، فرض في العمر مرة على كل مسلم مستطيع له، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) 97/ آل عمران، وقال رسول الله : (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) متفق عليه .
والعمرة كذلك فرضت في العمر مرة على كل مستطيع لها عند الشافعية والحنبلية، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى:
(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة أم المؤمنين t عندما سألته قائلة: (يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَاد لا قِتَالَ فِيهِ : الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) رواه ابن ماجه وأحمد.

وقال المالكية وأكثر الحنفية : إنها سنة، واستدلوا على ذلك بحديث رسول الله r : عندما سئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: (لا، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَلُ) رواه الترمذي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وذهب بعض الحنفية إلى أن العمرة واجبة بين الفرض والسنة.

واتفق الفقهاء جميعا على استحباب الإكثار والمتابعة بين الحج والعمرة في كل موسم ـ بعد أداء الفريضة ـ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( تابعوا بين الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة ) أخرجه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه .

وقد اتفق الفقهاء على أن لكل من الحج والعمرة فروضا، وواجباتٍ، وسنناً، كما اتفقوا على أن الحج والعمرة إذا فَقَد أيٌّ منهما أحد فروضه بطل، ولم تَجْبُرْه الكفارة، أما إذا افتقد أحد واجباته، فإن ذلك يُدخل عليه نقصا ينجبر بالكفارة، وتسمى الفدية، وهي متعددة بحسب نوع المخالفة التي يقع فيها الحاج والمعتمر.

لهذا كان حريا بالحاجِّ والمعتمر قبل أن يبدءا الحج والعمرة أن يتعلما أحكام ذلك على يد عالم، أو أن يقرءا كتابا متخصصا في ذلك، إن كانا من طلاب العلم، أو أن يرافقا عالما في حجه وعمرته ليقتديا به في أفعاله ومناسكه، وإلا فيخشى أن يقعا في أخطاء قد لا يعرفان طريقا للتخلص منها والتغلب عليها، وهو ما يحصل لبعض الحجاج والعُمَّار، فيعودون من مناسكهم ببمخالفات شرعية ربما أنقصت الأجر أو أبطلت العمل.

وقد استقبلت هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت على مدى السنين الماضية العديد من الأسئلة والاستفتاءات من مختلف شرائح المجتمع، حول مناسك الحج والعمرة، للتعرف عليها، كما استقبلت العديد من الاستفتاءات حول ما يقع به كثير من الحجاج والعمار من أخطاء ومخالفات في حجهم وعمرتهم ، أو ما يعترضهم من صعوبات ، أو ما يستجد لديهم من حوادث ، وما يجب عليهم شرعا في ذلك، وقد أجابت عن هذه الأسئلة، وبينت للسائلين مناسك الحج ومعالمه ، كما بينتالأحكام الشرعية في النوازل الحادثة ، أوما يجب على من وقعوا في المخالفات من كفارات لترميم ما دخل على حجهم أو عمرتهم من نقص، على وفق مختلف مذاهب الفقهاء المعتمدين، وأدلتهم من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكانت تختار لهم في الإجابة على أسئلتهم واستفساراتهم أيسر الأقوال الفقهية في التطبيق بعد التأكد من قوة دليله.

وقد رأى قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية أن من المفيد أن يضع بعض نصوص الفتاوى الصادرة بين عامي/ 1979-2000 /م، بين أيدى الحجاج والعمار، لتكون لهم منارا يهتدون بها في حجهم وعمرتهم، تبين لهم مناسك الحج، وما يجب عليهم ويستحب ، وما يكره لهم أو يحرم ، وما يترتب عليهم إذا ما بدرت منهم مخالفة، ليعودوا بعد ذلك بإذن الله تعالى إلى بلدهم بحج مبرور وعمرة مقبولة .

وقد رتبت هذه الفتاوى بحسب تدرج أحكام الحج والعمرة من حيث الزمان، فقدم فيها ما يتعلق بالإحرام، ثم بالطواف، ثم بالسعي، ثم بالوقوف بعرفة، ثم رمي الجمار، ثم ذبح الهدي، ثم التحلل بالحلق أو التقصير ثم طواف الوداع ثم الفتاوى العامة الأخرى .

والله تعالى نسأل أن ينفع بهذه الفتاوى الحجاج والعمار بخاصة، وأن يوفق المسلمين جميعا في سائر عباداته وأعمالهم إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يتقبلها منهم ، وأن يوفقهم إلى كل خير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

28/رمضان/1421هـ و 24/12/2000م

رئيس قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية
مشعل مبارك عبد الله الأحمد الصباح